ابن قتيبة الدينوري

666

الشعر والشعراء

أقسّم جسمي في جسوم كثيرة * وأحسو قراح الماء ، والماء بارد ( 1 ) أتهزأ منّى أن سمنت وأن ترى * بجسمي مسّ الحقّ ، والحقّ جاهد ( 2 ) وكان جاهليّا ، وهو القائل ( 3 ) : لعمري لئن عشّرت من خيفة الرّدى * نهاق الحمير إنّنى لجزوع ( 4 ) 1190 * ( وكان أصاب في بعض غاراته امرأة من كنانة ، فاتّخذها لنفسه ، فأولدها ، وحجّ بها ، ولقيه قومها ، وقالوا : فادنا بصاحبتنا ، فإنّا نكره أن تكون سبيّة عندك ، قال : على شريطة ، قالوا : وما هي ؟ قال : على أن نخيّرها بعد الفداء ، فإن اختارت أهلها أقامت فيهم ، وإن اختارتنى خرجت بها ، وكان يرى أنّها لا تختار عليه ، فأجابوه إلى ذلك ، وفادوا بها ، فلمّا خيّروها اختارت قومها ، ثم قالت : أما إنّى لا أعلم امرأة ألقت سترا على خير منك : أغفل عينا وأقلّ فحشا وأحمى لحقيقته ، ولقد أقمت معك وما يوم يمضى إلا والموت أحبّ إلَّى من الحياة فيه ، وذلك أنّى كنت أسمع المرأة من قومك تقول : قالت أمة عروة كذى ، وقالت أمة عورة كذى ؛ واللَّه لا نظرت في وجه غطفانيّة ، فارجع راشدا ، وأحسن إلى ولدك ( 5 ) .

--> ( 1 ) قال ابن السكيت : « جسمه ههنا : طعامه » ! وأنا أرى أنه تكلف أو أخطأ ، بل هو مجاز كنى بالجسم عن الطعام لأنه الذي ينميه . الماء القراح ، بفتح القاف : الذي لا يخالطه لبن ولا غيره ، وقوله والماء بارد : أي في الشتاء ، فذلك أشد . قاله ابن السكيت . ( 2 ) والحق جاهد : ابن السكيت « يقول : يجهد الناس ، وذلك أن الحق يطرقه فيؤثره على نفسه وعلى عياله والحق الذي ذكره : صلة الرحم وإعطاء السائل وذوى القربى ، فمن فعل ذلك جهده » . ( 3 ) من قصيدة في الديوان 42 . ( 4 ) عشر الحمار : إذا تابع النهيق عشر نهقات ووالى بين عشر ترجيعات في نهيقه ، والبيت في اللسان 6 : 248 ، وقال « ومعناه أنهم يزعمون أن الرجل إذا ورد أرض وباء ووضع يده خلف أذنه فنهق عشر نهقات فهيق الحمار ، ثم دخلها أمن الوباء » . ( 5 ) القصة ذكرها ابن السكيت مفصلة في مقدمة الديوان ص 17 .